إعداد محمد مراني العلوي طالب باحث في العلوم القانونية والاقتصادية
تقديم :
لقد شكل توسيع مجال القانون من خلال دستور سنة 1972 من خلال منحه صلاحيات تشمل احداث المؤسسات العمومية نقطة تحول في تاريخ المؤسسات العمومية الى حدود اللحظة وذلك أنه كان هذا هو التعديل الاول الذي شهذه دستور المملكة وبالتالي فهي اشارة قوية الى ان المشرع المغربي كان واعيا بمسألة دور المؤسسات العمومية في بناء الدولة .
وعليه فإنه يأتي إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية في إطار التوجيهات الملكية السامية، حيث دعى جلالة الملك الى الاسراع في تنزيل الاصلاحات المتعلقة بمعالجة الإختلالات الهيكلية للمؤسسات والمقاولات العمومية، قصد تحقيق أكبر قدر من التكامل والإنسجام في مهامها والرفع من فعاليتها الإقتصادية والإجتماعية.[1]
كما أنها تأتي في إطار تكريس لمبادئ الحكامة الجيدة، التي أولاها دستور المملكة أهمية خاصة من خلال الباب الثني عشر منه، حيث أكد على خضوع المرافق العمومية لمعايير الجودة و الشفافية و المحاسبة والمسؤولية[2]. بناء على قواعد متعلقة بتسيير الإدارات العمومية و كذا الجماعات الترابية الأخرى، و الأجهزة العمومية، يحددها ميثاق للمرافق العمومية[3]. وكذا محاربة الفساد وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة وثقافة المرفق العام، وقيم المواطنة المسؤولة.[4]
كما أنه يأتي موازاة بمجموعة من الاصلاحات التي همت العديد من المجالات والقطاعات الحيوية الأخرى، وفي هذا الإطار قد تم وضع منظومة قانونية مؤسسة لإصلاح المؤسسات و المقاولات العمومية في مقدمتها القانون رقم 50.21 المتعلق بإصلاح المؤسسات و المقاولات العمومية، والقانون رقم 82.20 المحدث للوكالة الوطنية للتدبير الإستراتيجي لمساهمة الدولة وتتبع نجاعة أداء المؤسسات والمقاولات العمومية، والقانون رقم 76.20 المحدث لصندوق محمد السادس للإستثمار، وأيضا القانون رقم 54.19 بمثابة ميثاق المرافق العمومية وكذلك القانون 40.22 المتعلق بتحديد عدد المتصرفين المستقلين وشروط ومسطرة تعيينهم في الأجهزة التداولية للمقاولات العمومية، و القانون رقم 86.12 المتعلق بعقود الشراكة بين القطاع العام و الخاص.
من أجل تجاوز تلك الاعطاب التي تعاني منها المؤسسات و المقاولات العمومية فيما يتعلق بالتضخم المؤسساتي الذي ترتب عنه تداخل في المهام والانشطة الموكولة لهذه الاجهزة و تفاقم عجزها المالي وتنامي مديونتها و اعتماد معظمها على الاعانات المالية للدولة الشيء الذي تعاني منه المحفظة العمومية وكذا الاختلالات التي تشوب حكامة تدبيرها و المراقبة المالية و الادارية .
ومما لاشك فيه ان هذه الاختلالات تؤثر بشكل مباشر في هضرالزمن التنموي وهو الشيء الذي يدعو الى ضرورة تسريع وثيرة الاصلاح في ظل التحولات التي تواجهها المملكة على الصعيد الوطني وكذلك الدولي.
و تتجلى اهمية إصلاح المؤسسات و المقاولات العمومية في الدورالاساسي الذي تلعبه من خلال المساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية و العدالة المجالية وكذا جلب الاستثمار حيث انها تعتبر دعامة للقطاع الخاص ومحفزا له .
تكتسي عملية اصلاح المؤسسات و المقاولات العمومية أهمية كبرى موازاه بمجموعة من الاصلاحات المتوزعة على مجموعة من القطاعات و المجالات الحيوية الاخرى وتعتبر محطة مهمة لابد من العبورمن خلالها وهذه الغايات تتطلب سلوك مجموعة من الاليات أبرزها تعزيز الالتقائية بين مختلف هذه المؤسسات وكذا تطوير علاقتها بالقطاع الخاص و تعزيز حكامتها من خلال الاستغلال الجيد للموارد المتاحة .
أولا: أهداف إصلاح المؤسسات و المقاولات العمومية :
يتوخى من خلال تنزيل ورش اصلاح المؤسات و المقاولات العمومية المساهمة في النهوض بالتنمية، و تحقيق العدالة الاجتماعية و المجالية، وكذا المساهمة في تدعيم الدور الاستراتيجي لها في تنفيذ السيايات العمومية.
وكذلك تجاوز تلك المشاكل المتعلة بإثقال كاهل المحفظة العمومية امام التضخم المؤسساتي وتاثير ذلك على الميزانية العامة للدولة بسبب اثر الاعانات الممنوحة لها وكذا تداخل المهام و الانشطة الموكولة اليها .
يراد من خلال هذا الاصلاح ايضا تدعيم الدور الذي تقوم به هذه المؤسسات و المقاولات العمومية بالنسبة للقطاع الخاص و تعزيز الثقة بينها وبين القطاع الخاص من خلال مساهمتها في تجويد مناخ الأعمال و توفير بيئة ملائمة لجذب الاستثمار وكذلك دعم المقاولات الصغرى و المتوسطة والتشجيع على ابرام عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
كما أنها تسعى الى تحديد حجم القطاع العام وإدارة مساهمات الدولة ضمن هذه المؤسسات والاشخاص العامة في هذه المؤسسات والحرص على مصالح الذمة المالية للدولة وكذا تعزيز حكامة إدارة هذه المؤسسات و الرفع من نجاعتها الاقتصادية و الاجتماعية.
وأيضا المساهمة في تحقيق الاصلاحات الجهوية ومعالجة تداخل المهام و إهدار الزمن التنموي .
ثانيا: أبرز الاليات التي اعتمدها المشرع المغربي من أجل تنزيل ورش اصلاح المؤسسات و المقاولات العمومية
من أجل تنزيل هذا الورش فإنه تم وضع منظومة قانونية خاصة بهذا الاصلاح كما أشرت من قبل و التي تضم مجموعة من المقتضيات المتعلقة بوضع خطة إصلاح تهم عمليات إعادة هيكلة هذا القطاع وتنفيذها عبر تحسين حكامتها وتعزيز ادائها وتعزيز مسؤولية أجهزة إدارتهاوتسيرها و كذا تعزيز الالتقائية مع القطاع الخاص من خلال خلق شراكات مع القطاع الخاص وايضا التنازل عن بعض المجالات لصالحه من أجل تشجيعه على الانخراط في هذا الورش .
أيضا ضمان تعاضد الوسائل و الموارد قصد ترشيد النفقات وتقليص حجم النفقات من خلال اتباع سياسة دمج المؤسسات و المقاولات العمومية من أجل معالجة اشكالية تداخل المهام و الانشطة الموكولة اليها وكذا تصفية الاجهزة الاخرى التي لم يعد هناك مبرر على الابقاء عليها والتأكد من ممارسة المؤسسات و المقاولات العمومية لانشطتها في حدود المهام الموكولة اليها بموجب النصوص التنظيمية ، وتفويت الاصول و المساهمات غير الضرورية لمزاولة هذه المهام .
اعتماد تدبير مبني على الحكامة الجيدة في ادارة الموارد المالية و البشرية قائم على مبدأ المناصفة بين النساء والرجال وكذا تعيين ممثلي الدولة والاعضاء المستقلة في حضيرة الاجهزة التداولية لها و ظبط عمليات احداث هذه المؤسسات وتوضيح الاسباب التي تدعو الى ذلك وكذا تعزيز ربط المسؤولية بالمحاسبة اثناء ابرام العقود مع المسؤولين عن ادارة هذه المؤسسات عند تعيينهم عند الاقتضاء من خلال توضيح الاهداف المتوخاة و الموارد المتاحة لبلوغها وتتبع وتقييم تنفيذها.
ولهذه الغاية فقد تم إحداث الوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمة الدولة وتتبع نجاعة أداء المؤسسات و المقاولات العمومية من خلال القانون رقم 82.20 التي تعتبر الية مؤسساتية مهمة داخل منظومة الاصلاح وهي تمثل نقطة تحول مهمة في ادارة مساهمة الدولة.
حيث أوكل اليها المشرع مهمة السهر على مصالح الذمة المالية للدولة و ادارة مساهمتها داخل هذه الاجهزة ورصد وتقييم أدائها والمساهمة في تمكين هذه المؤسسات من اداء دورها الكامل في الادماج الاقتصادي و الاجتماعي و التنمية المستدامة بالمغرب وذلك عبر اعتماد حكامة وفقا لافضل المعايير وتنظيم فعال وتوفير خبرات متكاملة لمجموعة من المؤسسات والمقاولات العمومية في مجالات استراتيجية كبرى تتماشى مع القطاعات الاولوية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
من خلال رسم طرق جديدة لقطاع البنى التحتية للنقل و اللوجستيك وتعزيز قطاع المالية فيما يتعلق بالاستثمار و البنوك وكذا تنشيط قطاع المعادن و الصناعة والماء والطاقة وايضا تحفيز التنمية الترابية والفلاحية والعقارية وكذلك ربط الوسائل الرقمية، وسائل الاعلام والاتصالات باستدامة ويبقى الهدف الاول هو تدبير مسامة الدولة بتبصر وتميز .
أيضا :
- الرقابة البرلمانية
من خلال دسترة المشرع المغربي على طلب استماع اللجان البرلمانية الى مسؤولي الادارات حيث انها من الادوات التي وضعت رهن اشارة البرلمانيين للمساعدة في ممارستهم لوظيفة تقييم السياسات العمومية بموجب الفصل 102 الذي جاء فيه ” يمكن للجان المعنية في كلا المجلسين أن تطلب الاستماع إلى مسؤولي الإدارات
والمؤسسات والمقاولات العمومية، بحضور الوزراء المعنيين، وتحت مسؤوليتهم.”
ثالثا: التحديات المطروحة
تواجه عملية اصلاح المؤسسات و المقاولات العمومية مجموعة من التحديات أبرزها غياب اعتماد جدول زمني محدد وواضح في الغالب اوعدم احترامه احيانا وكذا اعتماد تدبير مبني على النتائج وخطط واقعية قابلة للتطبيق، الامر الذي يتسبب في هضر الزمن التنموي أمام مجموعة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية و البيئية في افق 2035 التي تواجه المملكة.
وأيضا بالنسبة لمسألة الخوصصة فإنه من الملاحظ أن هناك محدودية على مستوى عمليات الخوصصة المنجزة خلال الفترة الممتدة بين 2018 و 2024 المراد منها المساهمة في تقليص حجم المحفظة العمومية طبقا للقانون 50.21 في ظل عدم إجراء تقييم لنتائج الخوصصة المنجزة ما بعد سنة 2004 كما كان مبرمجا لها. حيث ان من شأن فتح رأسمال بعض الاجهزة العمومية في وجه القطاع الخاص أن يساهم في تقليص حجم إنفاقات الدولة على هذه المؤسسات وتخفيف العبئ على ميزانية الدولة.
من بين هذه التحديات كذلك عدم إكتمال المنظومة القانونية التي تؤطر عملية تصفية هذه المؤسسات المنصوص عليها في القانون رقم 51.20 وكذا عدم نشر مجموعة من النصوص التشريعية والتنظيمية المنصوص عليها في القانون المذكورعلى الرغم من مرور أكتر من ثلاث سنوات على دخوله حيز التنفيذ .
كذلك عدم تحويل بعض المؤسسات العمومية الى شركات مجهولة الاسم كما كان مبرمجا لها داخل أجل 5 سنوات كما هو منصوص عليه في القانون رقم 82.20 اضافة الى تأخر في تحديد مشاريع البنية التحتية الاستراتيجية التي سياسهم فيها صندوق محمد السادس للاستثمار في غطار الشراكة مع القطاع الخاص التي يراد من خلالها تخفيف العبئ على الميزانية العامة للدولة.
وأيضا عدم استكمال تركيبة مجلس إدارة صندوق محمد السادس للاستثمار في انتظار تعيين المتصرفين الممستقلين الاربعة وفقا للقانون رقم 40.22 .
رابعا: كيف يمكن مواجهة هذه التحديات؟
بناء على مجموعة من التوصيات التي جاءت في التقرير الاخير الصادر عن المجلس الاعلى للحسابات باعتباره جهة مخول لها ممارسة الرقابة على المالية العامة وكذا تدعيم وحماية مبادئ وقيم الحكامة الجيدة والشفافية والمحاسبة بالنسبة للدولة و الاجهزة العمومية حسب المقتضيات الواردة في الباب العاشر من دستور المملكة[5] وكذلك أمام مجموعة من التحديات المرتبطة بالتحولات التي واجه المملكة على الصعيدين الدولي والوطني.
وعليه فإنه لتجاوز هذه الصعوبات لابد من تحديد المدة المطلوبة من اجل اصلاح المؤسسات العمومية ووضع جدولة زمنية والتقيد بها وتجنب هضر الزمن التنموي عبر تسريع وثيرة اعادة الهيكلة و ضرورة التزام كل من وزارة الاقتصاد و المالية و الوزارات المشرفة على هذه القطاعات و الوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمة الدولة وتتبع نجاعة اداء المؤسسات والمقاولات العمومية وصندوق محمد السادس للاستثمار بتسريع تنفيذ خارطة طريق السياسة المساهمتية للدولة وإعطاء أولوية للقطاعات الاستراتيجية فيما يتعلق بالمؤسسات التي سيدعمها الصندوق المذكور .
واستكمال عمليات التصفية والتحويل المذكورة كما هو مبرمج لها .
خاتمة :
لابد من الاشارة الى ان اصلاح المؤسسات و المقاولات في اطار تنزيل اهداف النموذج التنموي الذي يعول على الاستثمار العمومي الى جانب الاستثمار الخاص في تحقيق التنمية المستدامة بالمملكة وجذب الاستثمار الوطني والاجنبي من اجل مواجهة العديد من المشاكل ابرزها تفاقم ارتفاع نسبة البطالة وغياب التوازن المجالي والعدالة المجالية وبالتالي فان تحيق هذه الاهداف لا يتوقف فقط عند ادوار هذه المؤسسات و المقاولات العمومية وانما هناك مجموعة من المؤثرات الخارجية التي تحدد مصير التنمية بالمملكة المرتبطة بمنسوب الامن و القانوني والقضائي وترتيب المملكة في مؤشرات التنمية والقيام بالاعمال و الفساد…. الخ
امام مجموعة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية التي تواجه المملكة. .
[1] مقتطف من نص الخطاب السامي الذي وجهه جلالة الملك، نصره الله، إلى الأمة بمناسبة عيد العرش المجيد بتاريخ 29 يوليوز 2020 .
[2] الفصل 154 من دستور المملكة لسنة 2011
[3] الفصل 157 من الدستور
[4] الفصل 167
[5] الفصول 147_148


تعليقات فيسبوك