إعداد جلال السباعي
تقديم :
مرت العلاقة بين القطاع العام والخاص من مجموعة من المراحل بداية من مرحلة الخوصصة ثم مرحلة التخفيف من حدة الخوصصة من خلال عقود الامتياز و شركات الاقتصاد المختلط وكذا التدبير المفوض ثم مرحلة ظهور عقود الشراكة التي تستهدف بالاساس مشاريع البنية التحتية الاستراتيجية الاقتصادية والاجتماعية والادارية ذات جودة بتكلفة أقل وتنمية نماذج حكامة جديدة لحكامة المرافق العمومية من أجل توفير بيئة ملائمة لجذب الاستثمار وكذا تحسين جودة الخدمات التي تقدمها المرافق العمومية وكذا الاستفادة من قدرات الشريك الخاص التي أحيانا يمكن أن تفوق امكانيات الدولة .
وقد شملت في المغرب مجموعة من القطاعات منها قطاع الصحة والنقل والطاقة و المياه و الزراعة .
وفي هذا هذا الاطار قد تم صدور القانون رقم 86.12 المتعلق بعقود الشراكة بين القطاع العام و الخاص الذي يحدد مجموعة من الاهداف المتوخاة من هذه الشراكة والامتيازات التي تتيحها بالنسبة للشخص العام و الشريك الخاص ايضا و المبادئ التي يخصع لها هذا العقد .
ان موقف المستثمر الوطني أو الاجنبي من المشاركة من خلال عقود الشراكة تتحكم فيه عدة مؤثرات من بينها ماهو مرتبط بطبيعة التنظيم القانوني للعقد وايضا ما هو مرتبط بكذا مجموعة من المؤثرات الخارجية التي تؤثر بقوة في هذه العقود .
فما اهم هذه المزايا والمحفزات القانونية و الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي توفرها عقود الشراكة والتي من شأنها تشجيع القطاع الخاص على الانخراطوكذا تشجيع الاستثمار وما ابرز مكامن القصور والنقائص التي تعتري التنظيم القانوني لهذه الالية وتلك التحديات المرتبطة بالمؤثرات الخارجية ؟
سأحاول الاجابة عن الاشكال المطروح من خلال زويتين :
- المزايا التي تقدمها عقود الشراكة بالنشبة للشخص العام وايضا بالنسبة للشريك الخاص
- بعض الاختلالات او مكامن القصور التي تعتري التنظيم القانوني لعقود الشراكة والتحديات التي تطرحها المؤثرات الخارجية
هناك مجموعة من المبررات التي دفت بالشخص العام نحو هذه الالية من التعاون في إطار سياسة رابح رابح مع الشريك الخاص بما يعود بالنفع على كلا الطرفين وتمكينه من مجموعة من الامتيازات من اجل تحفيزه على المشاركة .
أولا : مميزات عقود الشراكة بالنسبة للشخص العام
يستفيد الشخص العام من عقود الشراكة من خلال الاستفادة من الكفاءات و الامكانات التي يتوفر عليها القطاع الخاص من موارد مالية وبشرية واساليب فنية ابتكارية وذلك عبر تكفل الشريك الخاص لامشروع من بدايته الى نهايته وتولي اداء الخدمة وتلبية حاجيات المرتفقين خلال مدة العقد.
ومساهمته في تنشيط الاقتصاد بالنسبة للدولة وخلق المزيد من فرص الشغل و الاستفادة بالاساس من مساهمة الشريك الخاص للصعوبات المتعلقة بمحدودية الموارد أمام الحاجيات المتزايدة لمرافق عمومية فعالة تلبي طموحات المرتفقن.
وكذا تنمية نماذج جديدة لحكامة المرافق العمومية على اساس الفعالية النجاعة وتوفير بنيات تحتية اقتصادية واجتماعية و ادارية ذات جودة بتكلفة اقل .
والمساهمة في تقليص الخصاص المسجل على مستوى العديد من الخدمات والحاجيات التي تقع على عاتق الشخص العام مع مراعاة المصلحة العامة وهاجس حماية المرتفقين وطبيعة النظام القانوني والسياسي للدولة.
اضافة الى تغليب الطابع السيادي للشخص العام وتدخلاته في جميع مراحل حياة العقد وكذا ممارسة الرقابة على الشريك الخاص كما نصت على ذلك المادة 18 من القانون الاطار.
مزايا عقود الشراكة بالنسبة للشريك الخاص :
يستفيد الشريك الخاص بدوره من مجموعة من المزايا من خلال الية الشراكة مع القطاع العام وذلك على عدة مستويات متعلقة بالمبادئ الكبرى الموجهة لهذه العقود وكذا على مستوى طول المدة وايضا على مستوى تقاسم المخاطر و تسوية الخلافات.
- من حيث المبادئ
يخضع عقد الشراكة بين القطاع العام و الخاص لمبادئ المساواة، والشفافية في مختلف طرق ابرامه وهو ما أكدته مقتضيات الماادة 3 من القانون الاطار وكذا تلك المبادئ التي نث عليها القانون رقم 03.22 بمتابة ميثاق وطني للاستثمار حيث تحث الشريك العام على التقيد بهذه المبادئ و التزام الحياد والموضوعية امام عروض المستثمرين وقطع الصلة نهائيا مع بعض السلوكيات التي تؤثر سلبا من قبيل الرشوة واستغلال النفوذ و المحسوبية وغيرها …..
- من حيث طول المدة
يعتبر طول المدة من ابرز مميزات عقد الشراكة بالنسبة للشريك الخاص حيث تضمن له فرصة استرجاع التكاليف التي انفقها مع تحقيق هامش مهم من الربح وهذه المدة حسب مقتضيات المادة 13 يمكن ان تتراوح في الحالة العادية بين 5و 30 سنة فيما يمكن ان تمدد استثناء الى 50 سنة .
- من حيث تقاسم المخاطر
على اعتبار ان ذلك يضمن للشريك الخاص عدم تحمل المخاطر المرتبطة بالمشروع لوحده بما فيها تلك الناتجة عن القوة القاهرة و الحدث الفجائي فيما يحدد العقد الشروط والكيفيات التي يتم من خلالها تحمل وتقاسم هذه المخاطر كما نصت على ذلك المادة 16 من القانون الاطار.
- على مستوى تسوية الخلافات
وذلك عبر تسويتها بشكل ودي قبل اللجوء الى القضاء او التحكيم بناء كما نص على ذلك ميثاق الاستثمار وحسب المادة 27 من القانون الاطار لعقود الشراكة فانه من الممكن ان ينص عقد الشراكة على اللجوء الى مساطر الصلح و الوساطة الاتفاقية او التحكيم و المساطر القضائية حيث يرتب تضمين عقد الشراكة شرط التحكيم او غيره من الوسائل نزع الاختصاص عن القضاء.
- من حيث الاستفادة من بعض المزايا والاعفاءات الضريبية
حيث تعد التحفيزات الجبائية احدى ادوات السياسة الجبائية التي تدعم الاستثمار حيث ان من شانها تشجيع المستثمر على المشاركة متى كان من شانها التقليل من التكاليف التي سيتحملها المستتمر في اعمال البناء والتطوير و التجهيز او من خلال تقديم الخدمات وهو ما تناولته الفقرة السابعة من المادة 5 حيث اكدت على انه يجوز للشخص العام ان يخصص منحا للمستثمرين الذين لم يتم اختيارهم وحصيت عروضهم بالمراتب الاولى .
الاختلالات المذكورة و كذا التحديات المتعلقة بالمؤثرات الخارجية
هناك بعض الاختلالات ومكامن القصور التي تعتري التنظيم القانوني لعقد الشراكة بالاضافة الى مجموعة من الصعوبات و التحديات المتعلقة ببعض المؤثرات الخارجية.
بعض الاختلالات التي تعتري التنظيم القانوني لعقد الشراكة :
على مستوى امكانية الحلول مكان الشريك الخاص و فسخ العقد حيث يمكن للشخص العام من اجل ضمان سير المرفق العام واستمراريته ان يعين شريكا خاصا اخر ليحل محل الشريك الخاص المتعاقد معه متى تبين انه هناك خلل خطير بالالتزامات لاسيما فيما يتعلق باهداف حسن الاداء او وقوع احداث اخرى يمكن تبرير الفسخ المسبق للعقد حسب مقتصيات المادة 21 من القانون المذكور.
وايضا يمكن للشخص العام فسخ عقد الشراكة بناء عن ارادته المنفردة في جالة ارتكاب الشريك الخاص للخطأ الجسيم او لاسباب تتعلق بالمصلحة العامة وهو ما نثت عليه المادة 26 من نفس القانون دون اي تحديد لمفهوم وحدود هذا الخطأ الجسيم وكذا المصلحة العامة وطبيعة الاحداث التي تبرر الفسخ على الرغم من ان المشرع قد نصت على ان اوصاف الخطأ الجسيم يحددها العقد كما يحدد حالات القوة القاهرة والحادث الفجائي.
التحديات المرتبطة بالمؤثرات الخارجية :
وهنا يمكننا الحديث ان تلك التحديات المتعلقة بجودة المناخ العام للاعمال و ترتيب الدولة في مؤشرات التنمية وتنفيذ الاعمال و الفساد حيث ان تطبيق عقود الراكة يتوقف عند هذه المحددات و الضمانات .
- على مستوى مؤشر مدركات الفساد
حسب التقرير السنوي لمنظمة الشفافية العالمية بخصوص مدركات مؤشر الفساد لدى دول العالم لسنة 2024 فقد واصل المغرب تراجعه بدرجة واحدة عن سنة 2023 و 4 درجات على ماكان عليه الوصع فقط خلال سنة 2022 بعد ان احتر الرتبة 99 عالميا من اصل 180 دولة و الرتبة التاسعة عربيا ب 37 نقطة .
- على مستوى مؤشر التنمية البشرية
احرز المغرب تقدما بثلات نقاط في مؤشر التنمية حسب التقرير الصادر عن برنامج الامم المتحدة الانمائي مقارنة بالسنة الفارطة متنقلا من الرتبة 123 الى 120 عالميا لاول مرة منذ 10 سنوات وعلى الرغم من هذا التقدم الا ان هذا الترتيب يبقى بعيدا عن الاماني ولايرقى الى مستوى التطلعات .
- على مستوى مؤشر ممارسة الاعمال
حقق المغرب تقدما ملحوظا في مؤشر ممارسة الاعمال حيث قفز من الرتبة 130 سنة 2009 الى الرتبة 53 سنة 2020 وذلك بعد العمل على الارتقاء بالاطار القانوني والتنظيمي لممارسة الاعمال وتبسيط المساطر والاجراءات إلا انه رغم تلك الاصلاحات والارتقاء في مؤشر ممارسة الاعمال لم ينعكس ذلك ايجابا على الوصعية الاقتصادية للملكة بقدر التطلعات التي كانت مطروحة حيث ضلت معدلات النموحلال هذه الفترة منخفضة وأحيانا نجد بانها قد سجلت نموا سلبيا خلال الفترة مابين 2013 _2017 على الرغم من انها شهدت تقدم المغرب في مؤشر ممارسة الاعمال وبالتالي فانه يتعين العمل على ايجاد حلول فعلية لمعيقات الاستثمار بما في ذلك الفساد وتدني مستوى الحكامة وضعف الحرية الاقتصادية و وحماية حقوق الملكية الشيئ الذي حاول المشرع المغربي تناوله من خلال مقتضيات ميثاق الاستثمار في انتظار استكمال المنظومة القانونية من خلال نشر مجموعة من النصوص التنظيمية والتشريعية التي نص عليها ميثاق الاستثمار.
خاتمة :
مما لاشك فيه أنه يجب تسريع وثيرة تنزيل السياسات العمومية من خلال هذه الاصلاحاة بالموازاة مع مختلف الاصلاحات الاخرى و القطاعات الاخرى في اطاراصلاح شامل قائم على مبادئ الجهوية المتقدمة والعدالة المجالية أمام مجموعة من التحولات التي يواجهها المغرب في افق 2035 على المستوى الاقتصادي والاجتماعي التي تدعو الى وصع الراسمال البشري والبحث والتطوير والابتكار في صلب الاولويات وتملك التكنولوجيا امام التحديات المطروحة على المستوى الديموغرافي والاجتماعي بسبب ارتفاع معدلات الشيخوخة على الصعيد الدولي والوطني وتحدي تفاقم ظاهرتي الهجرة السرية من جنوب الصحراء وكذا هجرة الادمغة نحو الدول المتقدمة.
ولذلك فانه يجب ان تتصمن المنظومة القانونية المعنية المتعلقة بالاستثمار ايضا بشكل واضح تلك المزايا التي سيستفيد منها المستثمر من اعفاءات ضرائبية ورسوم جمركية والعمل على تحقيق اقلاع حقيقي واصلاح عميق داخل كل القطاعات المعنية وتكتيف جهود كل المتدخلين في هذا الاصلاح.


تعليقات فيسبوك